رسالة جان فانييه - تروللي - يناير/كانون الثاني 2001

نسخة للطباعةSend to friendPDF version

تروللي، يناير - كانون الثاني 2001

“ولكن يعطيكم السيد نفسه آيةً. ها أن العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعوا اسمه عمانوئيل. زبداً وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير” ( أشعيا 7:14).

أشكركم على العديد من رسائل الحب والشركة. أتمنى لكم سلام وفرح الميلاد. بنفس الوقت أشعر أنني الآن أكثر وعياً لحقيقة الألم والجرح في مجتمعاتنا: النزاعات في منطقة الشرق الأوسط، العنف في 11 أيلول، الحرب في أفغانستان، الفقر المدقع، اللاعدل واللامساواة في كل مكان. أشعر أنني الآن أكثر وعياً لفشلي، لجروحي، لعدم كفاءتي. كما أشعر أنني الآن أكثر امتناناً وشكراً من أية وقت مضى ليسوع على وجود إيمان ونور والآرش كعلامة حب في العالم.

خلال الأشهر الماضية طُلب مني العديد من الرياضات والأحاديث، دائماً أشارك حول، كيف أن الفقراء والضعفاء ممكن أن يشفونا من تحاملنا على الآخرين، ويشفونا من حاجتنا للسلطة وللظهور، ويقودوننا على طريق السلام. إنهم لا يبحثون عن السلطة بل يصرخون تعبيراً عن حاجتهم للصداقة وحاجتهم لمن يفهمهم، ضعفهم الشديد، ضعفنا كلنا، هو كدعوة للجماعة. الناس عطشانة لرسالة، لخبر يعطيهم الأمل والحياة. العالم يغرق في المنافسة، وعدم الإصغاء، في البحث عن السلطة والتميز. هذه شهادة حياة من”مارتا بيك”

بعنوان"انتظار آدم": هذه هي قصة اثنين وهم أساتذة من جامعة هارفرد، اكتشفوا في منتصف فترة الحمل أن الطفل الذي سوف يولد بعد أشهر سيكون عنده إعاقة. قرروا أن يسمحوا له أن يولد. لكن الذي اكتشفوه أنهم هم الذين ولدوا، ولدوا طفلين في عالم جديد حيث فيه البروفيسورين من هارفرد يتعلمون ببطء وإن إبنهم المعاق هو أستاذهم.

جماعاتنا بنيت على اللطف واحترام كل شخص وخاصة الأضعف. وأيضاً جماعاتنا أحياناً ممكن أن تتأثر في البلدان الغنية بالمزيد من القيود، المسؤولين أحياناً يخافون من التجمعات والجماعات، يخافون أن يكون هناك نوع من البدع أو بما يسمى بغسيل الدماغ في مثل هذه الأماكن. لكن نحن جميعاً نحتاج لجماعة، لمكان ننتمي إليه، مكان نحتفل فيه، مكان نلتزم به، مكان نتعلم فيه أن نقبل أنفسنا كما هي، مكان نتعلم فيه أن نسامح. مجتمعاتنا تنمو أكثر وأكثر نحو الانعزالية، الفردية، تنمو أكثر في الخوف من الالتزام. لهذا نرى أن عائلاتنا وزواجاتنا وجماعاتنا تعيش صعوبات هذه الأيام. الحاجة لالتزام الشباب. بعض الأشخاص الذين يعيشون في الآرش يتساءلون عن إمكانية العيش والالتزام لمدة طويلة، يتساءلون عن إمكانية أن تكون الآرش دعوة بالنسبة لهم، عن إمكانية أن يكون الآرش مكان لهم عندما يتقدمون في السن.

عالمنا اليوم يغرق في الشعور العميق بعدم الأمان، وليس بغريب أن يدخل عدم الأمان إلى حياتنا، وحياتنا الجماعية. الميلاد يذكرنا أن الله أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد ليشفينا ويحمينا وليعطينا الأمان، الأمان الذي يأتي من حب الله لنا ومن حبنا بعضنا لبعض. هنا نكتشف الأهمية التي تنبع من القيام بأعمال بسيطة مع حب وغفران وبهما نبني ونخلق جماعاتنا. واحدة من أكثر المخاطر في عالمنا هو الانقسام الذي يأتي من المنافسة، من الحاجة لنثبت أننا أفضل من الآخرين، من الرفض من أن نرى ونقبل العنف في قلوبنا. كل هذا يقودنا إلى النزاع، الحقد، الحرب. كلنا مدعوون أن نكون رجال ونساء سلام وغفران، لبناء جماعات حيث يثق واحدنا بالآخر. أليس هناك من خطر أيضاً يحيط بجماعاتنا وبكل واحد منا، بأن نفقد رؤيتنا بسبب انشغالنا بالأمور الإدارية وبسبب الضغوطات التي تريدنا أن نصبح مؤسسة، حيث ممكن ان نشك بأي إحساس بالانتماء، والتي تدعي أن الحب والمواهب مستحيلة وهذا ما يقودنا لعدم الأمان؟

اليوم وأكثر من أي وقت مضى نحن بحاجة للثقة، الثقة بالله والثقة بقوة الضعفاء اللطيفة. لقد فقد لعالم المعنى بالعديد من الطرق، العديد لا يعرف إلى أين يتجه، الضعفاء يهملون ويجرحون.

إنني أتقدم بالعمر، وحبي لهؤلاء الضعفاء ينمو ويتعمق. لقد وجدت مينائى معهم بالآرش، فرحي سيكون أن أموت وأدفن هنا حيث عشت 37 سنة. في”الفال” (البيت الذي يعيش فيه جان فانييه) حيث عشت فيه 20 سنة (لقد عشت في البيت الأول في الآرش لمدة 16 سنة ثم أخذت سنة للصلاة والتأمل والتفكير قضيتها في”لافورستيير”) أشعر بالحب من كل واحد في البيت وإن كنت حالياً لا أنام في هذا البيت لكننا نأكل معاً ونصلي ونحتفل ونستريح معاً وأحياناً نتحدث عن أمور تهم الجميع. في ليلة الميلاد ذهبنا جميعاً لننشد المجد لله في الأعالي ونوزع الشوكولا في كل بيت من بيوت الآرش والجيران والأصدقاء، إنها طريقتنا في الإعلان عن قدوم يسوع، ملك السلام الذي جاء ليعطينا القوة لنحب. أنا سعيد لوجودي في هذا المكان، إننا نتقدم بالعمر معاً حياتنا لطيفة بسيطة إنسانية جداً نلتقي الناس نبتسم للأشخاص، نأخذ وقتاً معهم، نستقبل الزائرين، نأكل ونصلي معاً. إنني لا أقوم بأعمال الجلي بعد الأكل في هذه الأيام فقد سمحوا لي أن أستريح بعد الغذاء وأعطوني الفرصة لقراءة الجرائد.هذا ما يدعوني إليه يسوع اليوم، لأبتهج وأكون في عائلة، في جماعة. إنني ما زلت أسافر كثيراً من أجل إيمان ونور والآرش. قريباً سأزور ماليزيا وهاييتي، سانت دومينغوا. أحاول دائماً أن تبقى عيوني وقلبي مثبتة على يسوع، ومريم، ومار يوسف في الناصرة. يسوع عاش 30 سنة في حياة بسيطة وحضور لكل واحد، يظهر للجيران وخاصة الأكثر حاجة بأنهم محبوبون ومهمون.

هنا أيضاً في تروللي (منطقة في فرنسا ومكان وجود الآرش) يوجد تقلبات، خيبات أمل، عدم فهم، نقاشات وحتى نزاعات. لكن ذلك إنساني وطبيعي جداً، نحن نلتقي من خلفيات متنوعة، ثقافات ومعتقدات وطقوس وأمزجة مختلفة، لكننا نبحث عن حب واحدنا للآخر، لنخلق في عالمنا المجروح مكان صغير يشع حباً وغفراناً ورغبة بالوحدة. أنا أؤمن أكثر وأكثر بقوة الحب في الإنجيل. نكتشف يومياً باستحالة عيش رسالة الإنجيل يوماً بيوم بدون حضور يسوع وحكمة الله. خبرتي، أن حب الله وإله الحب مخبأ في الضعيف والمجروح، في ضعفنا وجرحنا. الله مخبأ في جماعاتنا في الآرش وإيمان ونور.أجد راحتي و لذتي بذلك. في عالمنا المظلم، ضوء حب المسيح يشع. في السنة القادمة أتمنى أن تنمو جماعاتنا في الحب و في الإيماءات والعلامات البسيطة من الحب والاحترام والمسامحة.

حبي لكل واحد منكم،
جان فانييه

المرفقالحجم
Letter_Jean-Vanier_Trosly_Jan_2001.ar.doc40.5 كيلوبايت

التعليقات

أضف تعليقاً جديداً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <p> <span> <div> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <img> <map> <area> <hr> <br> <br /> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <table> <tr> <td> <em> <b> <u> <i> <strong> <font> <del> <ins> <sub> <sup> <quote> <blockquote> <pre> <address> <code> <cite> <embed> <object> <strike> <caption> <thead> <th> <param> <center>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق