الحكمة

نسخة للطباعةSend to friendPDF version

كان لاحد الملوك ابن وحيد شاب، وكان هذا الابن امير شجاع، حاذق وذكي.
لكي يكمل تعليمه في الحياة، ارسله والده الى حكيم عجوز.
سال الاميرالحكيم:" نوّر لي طريق الحياة."
اجاب الحكيم:" سوف تتلاشى كلماتي مثل اثار اقدامك على الرمال.
ولكنني اريد ان اعطيك بضعة ارشادات. سوف تجد على طريقك ثلاثة ابواب.
اقرأ التعليمات الموجودة على كل واحد منها.
سيدفعك احتياج لا يقاوم للعمل بها. لا تحاول التملص منها،
لئلا يحكم عليك ان تعيش دائماً ما هربت منه.
لا استطيع ان اقول لك اكثر من ذلك. عليك ان تختبر كل ذلك في قلبك وفي جسدك.
اذهب الان. اتبع هذا الطريق المستقيم امامك. "
اختفى الحكيم العجوز والتزم الامير على طريق الحياة.
وجد نفسه امام باب كبير مكتوب عليه "غيّر العالم".
فكر الامير في نفسه قائلا: هذه كانت نيتي منذ البدء،
لانه ان كانت هناك اشياء تعجبني في هذا العالم،
فان هناك اشياء غيرها لا تناسبني. وبدا في معركته الاولى.
يدفعه مثله الاعلى، حماسه و عنفوانه لان يواجه العالم،
ويطوّع ويجتاح و يشكّل الواقع حسب رغبته.
وجد في ذلك متعة وسكرة الفاتح، ولكنه لم يجد سلام القلب.
لقد نجح في تغيير عدة اشياء ولكن اشياء اخرى كثيرة ما زالت تقاومه.
ومضت اعوام كثيرة.
وفي احد الايام التقى بالحكيم العجوز الذي بادره بالسؤال:" ماذا تعلمت على الطريق؟"
اجاب الامير:" تعلمت ان اميّز بين ما هو في مقدوري وبين ما يفلت مني،
ما يتعلق بي وما لا يتعلق بي." "هذا حسن." قال الرجل العجوز.
"استعمل كل قواك لتتصرف بما هو باستطاعتك.
وانسَ كل ما لا يدخل ضمن نطاقك." واختفى من امامه.
بعد ذلك بقليل وجد الامير نفسه امام باب ثاني.
ووجد الكتابة التالية: غيّر الاخرين" .
وفكر في نفسه قائلا:" هذه كانت نيتي منذ البدء.
ان الاخرين هم مصدر فرح وسعادة بالنسبة لي،
ولكنهم ايضا مصدر الم ومرارة وحرمان."
وثار ضد كل ما يزعجه او لا يعجبه عند الناس.
بحث كيف يعدّل طباعهم ويستأصل عيوبهم.
وكانت هذه معركته الثانية. ومرت سنين عديدة.
وفي احد الايام، بينما كان يفكر في جدوى محاولاته لتغيير الآخرين،
تقابل مع العجوز الحكيم الذي سأله: "ماذا تعلمت على الطريق؟ "
" اجاب الأمير: "تعلمت ان الآخرين ليسوا مصدر او سبب افراحي وآلامي،
رضاي وخيبتي. ليسوا سوى من يكشف لي عن هؤلاء او المناسبة التي يظهرون فيها.
ان كل هذه الاشياء تجد جذورها في داخلي".
اجاب الحكيم: "انك على حق، لان الاخرين يكشفون لك ذاتك.
كن شاكراً للذين يثيرون فيك الفرح والسعادة،
وايضاً للذين يولدون فيك الالم والحرمان،
لان من خلالهم تعلمك الحياة ما تبقى لك ان تتعلمه،
والطريق الذي عليك ان تسلكه." واختفى العجوز الحكيم.
بعد ذلك بقليل، وصل الامير امام باب حيث قرأ هذه الكلمات: " غيّر نفسك".
فقال في قلبه" اذا كنت انا نفسي مصدر متاعبي،
فاذاً هذا ما بقي لي ان افعله". وبدأ معركته الثالثة.
فبحث كيف يعدّل طباعه، و يحارب نقائصه، وان يستأصل عيوبه،
وان يغيّر كل ما لا يعجبه في نفسه، كل ما لا يتطابق مع مثله الاعلى.
وبعد مضي سنوات عديدة على هذه المعركة،
حيث استطاع ان ينجح في بعض المرات ولكنه اخفق في مرات اخرى،
وايضا وجد مقاومة من نفسه، التقى العجوز الحكيم فسأله:
" ماذا تعلمت في الطريق؟""
اجاب الامير:" تعلمت ان في داخلنا اشياء نستطيع ان نحسّنها،
واخرى تقاومنا ولا نستطيع ان نمحوها".
"هذا حسن" أجاب الحكيم.
تابع الامير يقول:" نعم، ولكنني بدات اتعب من المعارك ضد كل شيء،
ضد كل الناس، وضد نفسي. الا ينتهي هذا؟ متى اجد الراحة؟
بي رغبة الى ان اوقف المعركة، ان استسلم، وان اترك كل شيء، وان افلت".
اجاب العجوز الحكيم :" هذا هو الدرس التالي.
ولكن قبل ان تبتعد، عد الى الوراء وتامل الطريق الذي قطعته."
ثم اختفى.
عندما نظر الى الوراء، راى الامير عن بعد الباب الثالث،
واستطاع ان يقرا على الواجهة الخلفية للباب هذه الكلمات:" اقبل ذاتك".
تعجب الامير من انه لم ير هذه الكتابة، عندما مر بهذا الباب في المرة الاولى،
من الناحية الثانية.
فقال في نفسه:" عندما نعارك نصبح عمياناً".
وراى ايضا على الارض، وقد تبعثرت حوله، كل ما رمى و كافح ضد نفسه
: كل ما هو مظلم فيه، نقائصه، مخاوفه، حدوده، وكل شياطينه.
تعلّم اذاً ان يتعرّف عليها، يقبلها و يحبها.
تعلّم ان يحب نفسه بدون مقارنة ولا حكم ولا لوم.
والتقى بالعجوز الحكيم الذي ساله:" ماذا تعلمت في الطريق؟""
اجاب الامير:" تعلّمت انني ان كرهت او رفضت جزءاً مني
فهذا يعني انني حكمت على نفسي بالا اكون متفاهماً ابدا مع نفسي.
تعلّمت ان اقبل نفسي، كلية، بدون شروط."
اجاب الرجل العجوز:" هذا حسن، انها الحكمة الاولى.
الان، تستطيع ان تعبر من الباب الثالث.
بالكاد وصل الامير الى الناحية الثانية،
راى من بعيد الواجهة الخلفية للباب الثاني وقرا عليها:
" اقبل الآخرين".
ومن حواليه تعرّف على الاشخاص الذين تعامل معهم في حياته،
من احبهم، ومن ابغضهم. من ساندهم ومن حاربهم.
ولكن، ولدهشته الكبيرة، لم يعد ير نقائصهم، ولا عيوبهم،
التي كانت قبلا تزعجه كثيرا والتي لم يستطع ان يغيرها.
والتقى مجددا بالعجوز الحكيم الذي ساله:" ماذا تعلمت على الطريق؟"
اجاب الامير :" عندما اكون في انسجام مع نفسي، لا يعود هناك شيء الوم الاخرين عليه.
ولا شيء اخشاه منهم. تعلّمت ان اقبل واحب الاخرين كلهم بدون شروط."
فقال الحكيم :" هذا حسن، انها الحكمة الثانية.
الان تستطيع ان تعبر الباب الثاني."
عندما وصل الى الناحية الثانية،
ابصر الامير الوجهة الخلفية للباب الاول وراى عليه هذه الكتابة:
"اقبل العالم".
فقال في نفسه، وهو متعجب، انا لم ار هذه الكتابة في المرة الاولى.
وتلفّت حوله وتعرّف على هذا العالم الذي حاول ان يجتاحه، يحوّله، ويغيّره.
تأثّر من جمال وتالّق كل شيء، ومن كمالهم.
ولقد كان العالم ذاته. من الذي تغير، العالم ام نظرته الى هذا العالم؟
والتقى العجوز الذي ساله :" ماذا تعلمت على الطريق"؟
اجاب الامير:" تعلّمت ان العالم هو مرآة لنفسي.
وان نفسي لا ترى العالم، ولكنها ترى نفسها في العالم.
عندما تكون فرحة ترى العالم فرحان. وعندما تكون مرهقة، ترى العالم حزيناً.
العالم بحد ذاته ليس فرحا ولا حزينا، انه هنا وهو موجود، وهذا كل شيء.
لم يكن العالم هو الذي يجعلني اضطرب، ولكنها الافكار التي كونتها عنه.
تعلمت ان اقبل بدون شروط ، وبدون ان احكم.
اجاب العجوز:" انها الحكمة الثالثة.
وها انك اليوم في انسجام مع نفسك، مع الاخرين، ومع العالم".
اجتاح الامير شعور من السلام، الصفاء، والامتلاء. وسكنه الصمت.
فقال العجوز الحكيم:" انت الآن مستعد لان تعبر العتبة الاخيرة،
وهي العبور من صمت الامتلاء الى ملء الصمت."
واختفى العجوز الحكيم.

التعليقات

أضف تعليقاً جديداً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <p> <span> <div> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <img> <map> <area> <hr> <br> <br /> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <table> <tr> <td> <em> <b> <u> <i> <strong> <font> <del> <ins> <sub> <sup> <quote> <blockquote> <pre> <address> <code> <cite> <embed> <object> <strike> <caption> <thead> <th> <param> <center>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق