روحانية تجسد

0
No votes yet
Your rating: None

كلمة "روحانية" لها اليوم عدة سمات. عندما نتكلم عن شخص روحاني، نتصور شخص غير واقعي، ليس له فاعلية ولا نفع: إنسان هادىء، مصلي وإنطوائى. الشخص الروحاني نراه مختلفاً عن الإنسان المنغمس فى جسده الذى يحب الرياضة، الأكل الجيد، الألعاب والإحتفالات.

لعدة اعتبارات، نحن جميعاً، محكومون بهذة الرؤية المزدوجة للعالم: نفس وجسد. النفس للأشياء الروحية والجسد للأشياء المادية.
هذة الرؤية المزدوجة للروحانية ربما تكون مهمة للبعض: المنشغلين باحتياجات أجسادهم، وتعد هذة خطوة أولى. ولكن ألا يوجد خطورة فى تشبية الروحانية بالخيال أو بالخوف من الجسد والواقع ؟

إن روحانية تلميذ المسيح هي روحانية تجسد: الكلمة صار جسداً. إن يسوع جاء ليعملنا أن نحب: "كما أن الآب يحبني، كذلك أنا أيضاً أحبكم؛ ووصيتى هي أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحبكم"

رسالة يسوع المسيح هي من البداية حتى النهاية رسالة محبة. يسوع جاء ليفتح قلوبنا حتى نستطيع أن نستقبل ينابيع الحب التي تتدفق من قلب الثالوث، هكذا نصبح نحن أيضاً نبع حب للآخرين. لقد جاء يسوع ليعلمنا أن نستقبل الحياة. الحب واقعى جداً: إنه يتطلب منا أن ندخل فى علاقة مع أشخاص أخرين، وأن نظل قريبين من احتياجاتهم، من دموعهم ومن جراحاتهم.

الروحانية المسيحية ليست منعزلة فى العالم من الأفكار والنظريات، ليست عالم من الأحلام والأوهام: إنها ليست ملجأ نلوذ به من الناس ومن العذاب. الروحانية المسيحية حقيقة ملموسة؛ إنها قوة وروح تساعدنا على العبور، على التغير فى حب يسوع، إنها تصنع منا مسيح آخر وتجعلنا أكثر قرباً من الآب ومن أخوتنا.

إن تلاميذ المسيح مدعوون أن يعيشوا بعض التغييرات:
- من عالم الأحلام والأوهام والخوف إلى عالم الحقيقية والواقع والصدق والحكمة.
- من قلب منغلق على ذاته متمركز على نفسه وأناني، إلى عالم من الرأفة وقبول الأشخاص المتألمين.
- من قلب ممزق، مملوء بالانقسامات والحواجز إلى قلب موحد، معزي وصانع سلام.

هذه التغيرات، أو هذا النمو نحو حب حقيقي أكثر فأكثر، يتطلب لقاء مع الكلمة المتجسد: يسوع. إن علاقة الحب هذه، هذة الشركة مع يسوع وهذة الثقة فيه، هي التي تفتح قلوبنا وتضعنا على طريق النمو الذي يقود إلى الملء وإلى نضوج الحب. إن يسوع هو الذى يفتح قلوبنا ويعطينا روحه القدوس.

إن روحانية الأناجيل ليست ازدواجية: ليست هروب من الجسد، إنها تجسد. إن روح المسيح هي التي تخترق خبايا كياننا، تطهرنا، تنيرنا وتوحدنا مع الآب. وهكذا فإن الروحانية لا تفصلنا عن أجسادنا ولكنها على العكس تعطينا وعياً جديداً وعميقاً أن أجسادنا هي هيكل الروح القدس، أن أجسادنا مقدسة ومكرسة وإنها أدوات ثمينة لحب الله.